عبد الكريم الخطيب
586
التفسير القرآنى للقرآن
والإحسان ، لا العسف والجبروت ، شأن كل عزّة لا تحكمها الحكمة . قوله تعالى : « ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ » . كانت الآية السابقة معرضا فسيحا لقدرة اللّه ، وإنه لا يحسن النظر فيه ، والإفادة منه ، إلا من أوتى بصرا نافذا ، وبصيرة مشرقة ، ثم كان معه - مع هذا - قلب مؤمن . . وفي هذه الآية ، معرض محدود من معارض هذا الوجود ، وهو معرض الخلق والبعث . . ثم أجمل هذا العرض في وحدة من وحدات الخلق ، وهي الإنسان ، في ذات واحدة ، ونفس واحدة . . فهذا الإنسان ، في خلقه ، وبعثه ، يكفى النظر إليه وحده ، في الاستدلال على قدرة اللّه ، وعلى أنه هو الخالق لهذا الوجود الذي لا حدود له . . فمن نظر إلى الإنسان ، وإلى أصل نشأته ، وكيف تنقل في الخلق ، من حال إلى حال ، حتى صار هذا الكائن القوىّ ، العاقل ، الذي يمخر عباب البحر ، ويغوص في أعماق المحيط ، ويحلق في أجواء السماء ، بل ويطأ القمر بقدميه - من نظر إلى هذا الإنسان الذي تخلق من نطفة ، تخلقت من من أخلاط مختلفة ، ثم نظر إليه في قوته وجبروته ، ثم أعاد النظر إليه وقد ردّ إلى الشيخوخة والهرم - رأى كمال قدرة اللّه ، وعلمه ، وحكمته ، وأنه وحده سبحانه ، القادر على كل شئ ، قدرة مطلقة لا يعجزها شئ . . وأن الذي خلق الإنسان ، قادر على أن يخلق الناس جميعا ، وأن الذي خلق الناس ، قادر على أن يخلق السماوات والأرض . . ففي القليل ما يدل على الكثير ، وإن قطرة الماء لتحمل في كيانها خصائص ما في البحار كلها من مياه . . !